شرخ استراتيجي داخل النظام الإيراني: التفاوض والاستسلام أم المضي في نهج التشدد؟

شرخ استراتيجي داخل النظام الإيراني: التفاوض والاستسلام أم المضي في نهج التشدد؟

نظام مير محمدي

ظهرت في نظام خامنئي مؤشرات على صدع داخلي عميق بين كبار صناع القرار. كانت التصريحات الأخيرة لعلي لاريجاني، مستشار خامنئي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، القائلة “إننا نقبل المفاوضات الحقيقية، لا المفاوضات المصطنعة”، بمثابة الشرارة التي دفعت وسائل الإعلام المقربة من الحرس إلى رد فعل عنيف وغير مسبوق.

شرخ استراتيجي داخل النظام الإيراني: التفاوض والاستسلام أم المضي في نهج التشدد؟

الخلیج بوست

ظهرت في نظام خامنئي مؤشرات على صدع داخلي عميق بين كبار صناع القرار. كانت التصريحات الأخيرة لعلي لاريجاني، مستشار خامنئي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، القائلة “إننا نقبل المفاوضات الحقيقية، لا المفاوضات المصطنعة”، بمثابة الشرارة التي دفعت وسائل الإعلام المقربة من الحرس إلى رد فعل عنيف وغير مسبوق.

جاءت تصريحات لاريجاني هذه خلال لقاء مع رؤساء مراكز بحثية باكستانية في السفارة الإيرانية بإسلام آباد، حيث أكد: “يجب أن تكون للمفاوضات أسس حقيقية وألا تكون النتيجة معلنة مسبقاً”. كما كتب لاريجاني في منشوره على شبكة التواصل الاجتماعي “إكس” باللغة الإنجليزية: “نحن نقبل المفاوضات الحقيقية، لا المفاوضات المصطنعة، ولا ينبغي أن تكون نتيجة المفاوضات محددة سلفاً”.

ترامب: إيران لا تملك أي قدرة نووية الآن.. وهجمات يونيو دمرت التخصيب بالكامل

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مقابلة حصرية مع برنامج “60 دقيقة” على شبكة CBS بثت يوم الأحد (2 نوفمبر)، نجاح الضربات الجوية الأمريكية على منشآت النظام الإيراني النووية في يونيو الماضي، معلنًا أن هذه العملية دمرت قدرة طهران على تخصيب اليورانيوم بشكل كامل

لم تفسر صحيفة “جوان”، المنبر الإعلامي للحرس، هذه التصريحات كعلامة على المرونة الذكية، بل كمقدمة لـ “الاستسلام”. يسأل كاتب المقال الافتتاحي بنبرة ساخرة: “أي مفاوضات حقيقية؟ هل رأيتم شيئاً في أفق المفاوضات بدا لكم مفاوضات حقيقية؟” ويذكّر فوراً بأن ترامب قال مراراً إن “الإيرانيين يريدون الاتفاق“، لكنه نطق أيضاً بعبارة “يجب أن تستسلم إيران” ليظهر أن “الاتفاق” من وجهة نظره مرادف للاستسلام.

وتزامناً مع زيارة عباس عراقجي إلى فرنسا لتقييم طبيعة المفاوضات، اشتدت حدة هذه التوترات. كما أشارت الصفحات الأولى للصحف في ذلك اليوم بشكل مباشر إلى تصريحات لاريجاني وزيارة عراقجي لباريس، مما يدل على أهمية هذا الموضوع في وسائل الإعلام التابعة للنظام.

إعلان موقف سياسي أم مجرد انتقاد إعلامي؟

لم يكن هذا الرد مجرد انتقاد إعلامي بسيط؛ بل كان نوعاً من إعلان موقف سياسي من جانب الجسد العسكري-الأمني للنظام الذي يعتبر نفسه ما يسمى بحامل لواء “المقاومة”. في غضون ذلك، أصبحت الزيارة المتزامنة لعباس عراقجي إلى باريس ذريعة لهذه الصحيفة نفسها لتشكك في المشروع برمته في مقال افتتاحي بعنوان “عندما ذهبت إلى باريس، اعلم أنك تتعامل مع وحشي!”، وتصف الأوروبيين بـ “المتوحشين”: “إذا لم نكن نعلم أننا عندما نلتقي بسياسي أوروبي فإننا نواجه فكراً وحشياً، فإننا نضل الطريق… الآن يجب أن نرى إلى أي مدى انتبه وزير الخارجية وتلك العصبة في الحكومة التي تسعى للسلام والصداقة مع أوروبا، لهذه الحقائق التاريخية وذات وطبيعة الأوروبيين… هل لدينا استراتيجية واضحة في تحركاتنا الدبلوماسية في العصر الحالي، أم أننا ما زلنا ننفذ مخطط الاستعمار الغربي؟!”

تحليل الطبقات الخفية للصدع داخل النظام

يكشف هذا الصراع عن اتجاهين أو انحيازين داخل النظام:

  1. اتجاه ظريف-روحاني (الذين لا يزالون يتمتعون بالنفوذ في أجزاء من هيكل السلطة): التفاوض أداة للسياسة الخارجية ويمكن من خلال الحفاظ على الخطوط الحمراء التقليل من الضغوط القصوى.
  2. اتجاه حرس النظام-كيهان-جوان: أي نوع من التفاوض مع أمريكا وأوروبا في الظروف الحالية، حتى لو سمي “حقيقياً”، يعني التراجع والاستسلام.

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: صور الأقمار الصناعية تكشف عن مؤشرات محتملة لاستئناف الأنشطة النووية في إيران

ذكر موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يوم الاثنين، 27 أكتوبر، أن تحليل صور الأقمار الصناعية التي أجراها المركز يكشف عن مؤشرات محتملة لاستئناف الأنشطة النووية في إيران

توقيت ذو مغزى

اشتد هذا الصراع في الأيام التي قال فيها ترامب علناً إن “الإيرانيين يسعون إلى اتفاق” وهدد في الوقت نفسه بأنه إذا لم يتفقوا، فإن “أسوأ قصف في التاريخ” بانتظارهم. أدلى لاريجاني بتصريحاته في 26 نوفمبر، وجاء رد صحيفة “جوان” في اليوم التالي 27 نوفمبر، وهو ما يتماشى مع عناوين الصفحات الأولى للصحف. في مثل هذا المناخ، تترجم أي إشارة تفاوض من طهران فوراً من قبل المتشددين على أنها “ضعف”، وقد كانت زيارة عراقجي لباريس بمثابة فرصة لمهاجمة الجناح المنافس.

رسالة إلى خامنئي الضعيف وفاقد الهيبة

النقطة الدقيقة في الأمر هي أن صحيفتي “جوان” و”كيهان” عادة لا تكتبان مثل هذه المقالات الافتتاحية الحادة دون ضوء أخضر من الأعلى. إن شدة اللهجة ضد لاريجاني (الذي لا يزال مستشاراً لخامنئي) وعراقجي (وزير الخارجية) تظهر أن جزءاً من النواة الصلبة للسلطة ينوي إغلاق الطريق مسبقاً أمام أي مرونة محتملة، وقد وجدوا الأجواء مواتية في ظل الوضع الهش والضعيف لخامنئي.

نهاية عصر “المرونة البطولية”؟

تعيد تصريحات لاريجاني إلى الأذهان العبارة الشهيرة “المرونة البطولية” عام 2013، لكن أجواء عام 2025 تختلف جوهرياً عن عام 2013: أمريكا لم تعد تسعى لـ “اتفاق”، بل تسعى لـ “استسلام”؛ لقد خرجت أوروبا من الاتفاق النووي.

أغلق خامنئي في خطابه الأخير الطريق أمام أي انقسام أو تفاوض، لكن السؤال لا يزال مطروحاً: هل سيتجه خامنئي في النهاية نحو “التفاوض” أم سيقبل، تحت ضغط هذا الاصطفاف الداخلي، تكلفة الإصرار على مواقفه الفاشلة؟ تظهر الوثائق الإعلامية أن هذا الصدع، أكثر من كونه عرضياً، هو جزء من حرب منظمة داخل النظام.