خطّة عراقية لحل معضلة المياه ضمن صفقات اقتصادية مع تركيا

وقفة أخيرة على الأطلال قبل الرحيل

بغداد

يحاول العراق استثمار الرغبة التركية الجامحة في ربط شراكة اقتصادية معه واقتحام سوقه الاستثمارية للاستفادة من موقعه الجغرافي وثروته النفطية، في حلحلة ملف المياه الشائك والذي بات يشكّل معضلة له ترتقي إلى مرتبة التهديد الوجودي بفعل الشح الشديد في موارده المائية والذي تتحمل تركيا جانبا كبيرا من مسؤوليته بفعل ما أقامته من سدود على نهري دجلة والفرات اللذين يمدان العراق بالجزء الأكبر من كميات المياه التي يحتاجها للاستخدام في الشرب والزراعة والصناعة.

وتظهر حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تشدّدا في ملف المياه وتلجأ إلى أسلوب التسويف والمماطة في الاستجابة لمطالب العراق، التي يقول مسؤولوه إنها عبارة عن حقوق مكفولة بالقانون الدولي المنظم لتقاسم الحصص المائية بين الدول.

لكن العراق بدأ يرى في الاقتصاد بوابة مناسبة لتليين الموقف التركي عبر معادلة تقوم على إتاحة الفرصة لأنقرة للاستفادة من ثروته النفطية مقابل تمكينه من حصص أكبر من مياه دجلة والفرات، خصوصا في ظل ما أظهرته القيادة التركية من حرص على رفع التعاون الاقتصادي مع العراق إلى مستويات غير مسبوقة. وتنظر حكومة أردوغان باهتمام شديد لطريق التنمية الذي هو عبارة عن مزيج من طريق بري متعدّد المسارات وسكة حديد يمتدان من المنطقة المطلّة على مياه الخليج في أقصى جنوب العراق نحو الحدود التركية في شماله.

ويكتسي هذا الطريق أهمية إستراتيجية لتركيا كونه بالإضافة إلى ما يتيحه لها من فرص اقتصادية من خلال تحويل أراضيها إلى ممر تجاري طويل يربط أوروبا بالخليج وما بعده، فإنّه يقيها من تأثيرات الطريق الاقتصادي الذي اتفقت عدة دول بالمنطقة من بينها السعودية على إنشائه ليربط بين الهند وأوروبا عبر شبه الجزيرة العربية وسواحل إسرائيل المطلة على البحر المتوسّط. ومثّلت أعمال الدورة التاسعة للجنة العراقية – التركية للتعاون التي انطلقت، الثلاثاء، في بغداد فرصة جديدة للعراق ليعيد طرح سيناريو حلحلة ملف المياه في سياق تعاون اقتصادي أشمل مع تركيا.

وذكرت وزارة التجارة العراقية في بيان صحفي أن الدورة المنعقدة برئاسة نائب رئيس الحكومة وزير النفط حيان عبدالغني عن الجانب العراقي، ووزير الطاقة والغابات ألب أرسلان بيرقدار عن الجانب التركي تستمر يومين وتتم خلالها مناقشة كل الملفات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملتها ورقة الجانبين في مجالات التعاون في التجارة والمياه والزراعة والصحة والنفط والغاز، بما يخدم مصالحهما المشتركة لغرض إدارجها ضمن  محضر اللجنة الذي سيتم التوقيع عليه. وبحسب البيان، سيجري الوزير التركي سلسلة لقاءات مع رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني وعدد من الوزراء.

وبينما يشهد ملفا المياه والنفط بين العراق وتركيا تعقيدات كبيرة بين الجانبين، تشهد المبادلات التجارية انتعاشا واسعا، فضلا عن حصول الشركات التركية على عقود كبيرة في مجالات البناء والإعمار في مناطق مختلفة من البلاد. وفي سياق الجهود العراقية المكثّفة لحلحلة ملف المياه الشائك، عقد محسن المندلاوي النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي اجتماعا مع السفير التركي لدى العراق علي رضا كوناي.

وربط المندلاوي خلال الاجتماع ملف المياه بملف التعاون الاقتصادي مطالبا الجانب التركي بتحرك جادّ لمعالجة ملف المياه وزيادة التدفقات المائية نحو العراق "لما لذلك من أهمية في تعزيز أطر التعاون على مختلف الأصعدة وفتح آفاق استثمارية جديدة للشركات التركية في البلاد". واعتبر أنّ “عدم التعاطي الإيجابي مع هذا الملف تحديدا يؤثر سلبا على الواقع الزراعي والبيئي والصحي والأمن الغذائي في العراق".

وينظر العراقيون إلى السفير كوناي باعتباره رمزا بارزا من رموز التشدّد التركي في ملف المياه، وذلك بالاستناد إلى تعليق سابق له عبر منصة إكس أثار غضبا واسعا في العراق وقال فيه إنّ "المياه تُهدر بشكل كبير في العراق، ويجب اتخاذ تدابير فورية للحد من هذا الإهدار، وحل مشكلة الجفاف ليس بطلب المزيد من المياه إنما استخدامها بكفاءة". وأضاف “يجب القيام باستثمارات في البنية التحتية والشركات التركية مستعدة لذلك، وتركيا بطبيعتها تستخدم المياه لتلبية متطلباتها في الزراعة والطاقة".

كما اعتبر أن "الجفاف ليس مشكلة العراق فقط إنما مشكلة تركيا والمنطقة بأكملها نتيجة للاحتباس الحراري، وسيكون هناك المزيد من موجات الجفاف في السنوات المقبلة". ورأى أن “الطريقة الأكثر فاعلية لمكافحة هذه المشكلة ليست طلب المزيد من المياه من تركيا، ولكن باستخدام المياه المتاحة بأكثر الطرق كفاءة بهدف ترشيد استهلاكها".

كما نصح العراقيين بـ"تحديث أنظمة الري والتخلي عن الري البدائي المسبب لإهدار المياه"، نافيا قيام بلاده "بتغيير مجاري الأنهار وقطع مياهها". وتشكّل قضية المياه أزمة كبيرة في العراق، حيث تسببت موجة الجفاف وتضاؤل ​​حجم المياه المتدفقة عبر نهري دجلة والفرات من المنابع في تركيا وإيران في اختفاء البحيرات والأهوار.

وأجبر هذا الوضع المستجدّ العراق على اتخاذ إجراءات سطحية مثل تركيب مضخات جديدة لاستخراج المياه من المساحة الميتة في الخزانات على طول النهرين. وخلال الصيف الماضي، أظهر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن منسوب المياه في نهر الفرات بلغ 56 سنتيمترا فقط على مستوى الناصرية بجنوب العراق مما تسبب في جفاف 90 في المئة من الأهوار القريبة.

ولم تقدّم أنقرة أيّ تعهدات بإطلاق المزيد من المياه لإنقاذ المجتمعات التي تعتمد على نهر الفرات، بينما تقول المنظمة الدولية للهجرة إن ثلث النازحين العراقيين البالغ عددهم 85 ألف نازح انتقلوا بسبب ندرة المياه من محافظة ذي قار. ويعمل العراق على إثناء تركيا عن تشدّدها في موضوع المياه من خلال إغراءات في مجال تصدير النفط.

وتجري في الوقت الحالي معالجة الخلافات التي تحول دون استئناف تصدير النفط العراقي عبر خط الأنابيب كركوك – جيهان، بعد أن توقّف التصدير في مارس الماضي إثر صدور حكم دولي بتغريم تركيا مبلغ 1.5 مليار دولار بسبب تصديرها النفط المنتج في إقليم كردستان العراق دون موافقة بغداد. ومن ضمن السيناريوهات التي باتت مطروحة لإزالة الانسداد في الملف، إيجاد صيغة لإسقاط الغرامة عن تركيا واستئناف تصدير الخام الذي تسبب توقّفه بخسائر مادية لكل الأطراف: تركيا والعراق وإقليم كردستان.