حل الدولتين في فلسطين لا في لبنان

الفلسطينيون يعلنون الانتصار، وإسرائيل تضم أراضي فلسطينية جديدة، وتدمر، كلما اقتضت الحاجة، الرقعة الباقية تحت سلطة الفلسطينيين. تمنيت العكس، فيعلن الفلسطينيون ذات مرة الخسارة ويستعيدون هم أرضا ومساحة وجود. أورشليم، رمز فلسطين ورمزنا، أمست عاصمة موحدة لدولة إسرائيل. بقدر ما كان شعب فلسطين بحاجة إلى تلك الفورة الوطنية التي تفجرت بعد "حرب غزة" (من 10 إلى 21 أيار/مايو الجاري)، لم يكن بحاجة إلى حرب غزة. البعض يظن أن تعديل مسار المفاوضات الفلسطينية/الإسرائيلية ما كان ممكنا من دون غزة، لكن الرئيس الأميركي جو بايدن كان قد أعلن العودة إلى "حل الدولتين" قبل حرب غزة.

الخشية اليوم من أن تحذو حماس حذو إسرائيل وترفض العودة إلى حل الدولتين، وتنقل صراعها مع إسرائيل حول الأرض إلى صراع داخلي مع الشرعية الفلسطينية في رام الله حول السلطة. إن حسابات حماس مختلفة عن حسابات السلطة الفلسطينية. الأخيرة تحمل مشروعا فلسطينيا ـــ عربيا، بينما تحمل الأولى مشروعا فلسطينيا ـــ إيرانيا.

في لبنان نعيش تجربة مماثلة إذ رفض حزب الله، منذ سنة 2000، توظيف المقاومة والتحرير في حل الدولة الواحدة، الدولة اللبنانية، وتصرف كأنه اعتمد حل الدولتين: دولة لبنان ودولته. لا بل وظف بعد التحرير قدراته العسكرية في سوريا والعراق واليمن، وربط، بالتنسيق مع إيران، مصير لبنان بأسره، من سنة 2006 إلى اليوم، بحروب الـمنطقة. هكذا بقي التحرير فعلا جنوبيا تنقصه التغطية الوطنية، وبقيت المقاومة حالة مستقلة تتحدى الدولة اللبنانية وأصدقاءها. وإذا كانت بيئة حزب الله تشعر بالأمن والكرامة في الجنوب ـــ وهي على حق ـــ فاللبنانيون فقدوا الشعور بالأمن والاستقرار والازدهار، وبالسيادة والاستقلال ووحدة الدولة. هذه العناصر الوطنية لا تتعايش مع سلاح حزب الله ومشروع إيران، ولا مع أي سلاح آخر ومشروع آخر خارج مشروع لبنان.

غريب أن ينهار لبنان بعد خروج قوات الاحتلال وبعد التحرير! وغريب أن يتعرض لبنان بعد تحريره من جميع قوى الاحتلال لحروب وأحداث أمنية واغتيالات وأزمات سياسية ودستورية واقتصادية أكثر بكثير مما تعرض له (باستثناء الجنوب) بين 1990 و2004. إن دلت هاتان الظاهرتان على شيء، فعلى أن حزب الله انتقل من مشروع التحرير إلى مشروع السيطرة على الدولة.

صحيح أن حزب الله حيد نسبيا الجنوب اللبناني، وبمسؤولية حال دون أن يصبح ساحة رديفة لغزة، لكن وجود سلاحه بحد ذاته يبقي لبنان عرضة لخطر عسكري دائم كون هذا السلاح جزءا من مشروع إقليمي لا من مشروع لبناني فقط، وكون مصيره مرتبطا بمصير تسويات المنطقة وحروبها. لذا يعيش اللبنانيون يوميا هاجس حرب جديدة، ويهابون فتنا داخلية. لا نرفض سلاح حزب الله لأنه كان ضد إسرائيل، فهذا مصدر فخر، بل لأنه ليس عاملا مساعدا في بناء دولة لبنانية طبيعية يحكمها رئيس واحد وفيها سلطة واحدة وجيش واحد ومؤسسات موحدة وقرار واحد.

نتحفظ عن سلاح حزب الله لأنه مناقض الدستور اللبناني والمساواة بين اللبنانيين والتعايش الميثاقي السلمي. نتحفظ عن سلاح حزب الله لأنه يثير قلق المستـثمرين ورجال الأعمال اللبنانيين والأجانب، ويرهن الاقتصاد الوطني للمزاج العسكري وللقرار السياسي الإيراني. نتحفظ عن سلاح حزب الله لأنه يعقد قيام حوار وطني بين المكونات اللبنانية على أسس متساوية. نتحفظ عن سلاح حزب الله لأنه يمنع تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، وفي طليعتها القرارات 1559 و1680 و1701 و1757. لا يستطيع حزب الله، أو غيره، قبول قرار دولي ورفض آخر، فالقرارات الدولية كل لا يتجزأ، والدليل أن كل قرار أممي جديد يصدر، يتضمن جميع القرارات التي سبقته ويذكر بها. لكي يفهم حزب الله موقفنا، البعيد عن أي روح عدائية، يكفي أن يضع نفسه مكاننا. أن يقلب الصورة ويتخيل أنه منزوع السلاح والآخرين مسلحون. هل كان ليقبل هذا الواقع الافتراضي؟

إن تجاوب حزب الله مع نداء غالبية الشعب اللبناني ينقذ أمن لبنان ووحدة دولته، ولا يعود بعض اللبنانيين يستيقظون وينامون على ترقب تطورات أزمات الشرق الأوسط وصراعاته. تعالوا نحسم مستقبلنا معا خارج أحداث المنطقة لئلا نحسمه متفرقين بشكل أو بآخر. صار الانتظار مكلفا لأن الوقت بحد ذاته سلاح المراهنين على سقوط الدولة والاستيلاء عليها. كان الصبر في السابق لمصلحة وحدة لبنان، أما اليوم فهو يصب في خانة تغيير حقيقة لبنان. تتفاءل الأمة بمصيرها حين تكون مشاكلها كبيرة لدى نشوئها ثم تصغر مع الوقت؛ لكن حين تبدأ مشاكلها صغيرة ثم تكبر مع الزمن، فدليل على فشل بنيوي تصعب معالجته بالطرق العادية.

الوقت يداهـمنا، والتسويات صارت عاجزة عن أن تكون بديلة الحلول، لأنها صارت تغطي مشروع الاستيلاء التدريجي على الدولة وتغيير هوية الأمة اللبنانية. تكفي مراجعة نتائج التسويات من سنة 1958 إلى اليوم، لكي نتأكد من ذلك. مع كل تسوية كان يسقط جزء من النظام والصيغة والديمقراطية والسيادة والاستقلال والحضارة والرقي وفرح الوجود، ويكاد السقوط يشمل كيان لبنان الكبير وغائية وجوده. وحين تحصل هذه التحولات بالتقسيط، تفقد وحدة لبنان المركزية مبررها. فالأهم من شكل الكيان: محتواه.

جميل أن نتغنى بلبنان الكبير، وهو أسمى صيغة إنسانية وحضارية ودستورية في هذا الشرق. ورائع أن نتعلق به، وهو ثمرة كفاح قرون وكان أول كيان لبناني مستقل على كامل أرض الوطن. لكن، يستحيل التحدث عن لبنان الكبير بمنأى عن الأمراض التي نـخرته وعن الواقع البشع الذي بلغه. الواقع ينهر الخيال، والحاضر يجافي التاريخ. ويستحيل التحدث عنه بمنطق تجريدي كأن لبنان لوحة فنية لا كيان شعب ينزف منذ مئة عام ويكتم جروحاته وآلامه بالصمت والصبر.

وطننا مريض؛ وورمه شوهد بالعين المجردة، وبالفحص السريري، وبالأشعة السينية، وبالرنين الـمغناطيسي. شفاؤه ممكن ومستحيل في آن معا. ممكن لأن المرض قابل العلاج، ومستحيل لأن هناك من حول الورم الحميد ورما خبيثا ومنع الأطباء من إجراء عملية جراحية لاستئصاله. وآخر إثبات على هذا السلوك التدميري: منع تأليف حكومة. غير أن مصدر الأمل الباقي هو إرادة الشعب المصمم على الحياة المشتركة رغم كل شيء. ولبنان هو أصلا فعل إرادة.