فصول السنة.. فصول العمر

الخليج

يرى ميخائيل نعيمة أن المفاضلة بين فصول السنة ضرب من السفسطة الفارغة، فلكل فصل معناه ورونقه وبهجته.

يحقّ لمثل نعيمة أن يقول هذا القول، هو الذي عاش في بلدان، أولها بلده لبنان، تَعرف هذا التعاقب بين فصول السنة الأربعة، فهو ولد في بسكنتا، القرية الرابضة على هضبات جبل صنين، وحين أصبح يافعاً أرسلته الجمعية الروسية الإمبراطورية للدراسة في أوكرانيا التي كانت ضمن الإمبراطورية القيصرية الروسية، فعاش وسط الطبيعة الخلابة هناك خمس سنوات. ومن روسيا هاجر إلى أمريكا وعاش فيها دهراً، وبعد نهاية الحرب العالمية استقرّ في شمال فرنسا لعدة شهور، حيث تلقى دروساً في تاريخ الفن في جامعة «رين» هناك.

على خلاف مهاجرين لبنانيين آخرين اختار نعيمة العودة إلى لبنان ليعيش فيه بقية حياته، موزعاً إقامته بين مكانين: في الشتاء يعيش في مسقط رأسه بسكنتا، وفي الصيف يقصد الشخروب.

كيف لمن عاش وسط هذه الطبيعة الخلابة أينما حل، ألا يتحدث عن فصول السنة، ليرى في كل فصل جماله الخاص، ويعتبر أن في المفاضلة بين الفصول عبثاً؟ لو أنك ولدت وعشت في خليجنا العربي، يا ميخائيل نعيمة، ما كنت قلت هذا القول، فنحن لا نعرف في السنة إلا فصلين، صيف طويل حار جداً، يبدأ في مايو/أيار، وبالكاد يغادرنا في نهاية سبتمبر/أيلول أو حتى أكتوبر/تشرين الأول، لننعم بشتاء قصير جميل، هو أقرب في درجة حرارته، على الأقل، إلى الربيع الذي أفضت في وصف محاسنه.

مثلما لا يرى نعيمة وجاهة للمفاضلة بين فصول السنة، لا يرى أيضاً وجاهة للمفاضلة بين فصول العمر. لكل مرحلة عمرية جمالها، لكنه يحذر من التمادي في هذه المقارنة، فلا يصح أن نتجاهل الفوارق الجسيمة بين ما وصفهما ب«الطبيعة العجماء والطبيعة العاقلة»، فحتى لو كنا نمرّ بأطوار أربعة: «تفتّح فاكتمال فجني فانحلال»، فإننا نمتلك ما لا تمتلكه «الطبيعة العجماء»: الفكر والخيال والإرادة.

لا بد من استدراك هنا، فالمقال الذي كتب فيه نعيمة كل هذا لم يكن عن فصول السنة أو العمر كاملة، وإنما عن فصل واحد فقط، حتى إن عنوان المقال كان «خريف العمر»، ويمكنكم العودة إلى المقال ضمن أعمال نعيمة المنشورة، لكن أردت هنا أن أقف أمام الخلاصة التي انتهى إليها الكاتب. إنها أشبه بالحكمة والعظة، فأطيب ما يجنيه إنسان من خريف عمره، حسب نعيمة، هو «الشعور الهادئ المطمئن بأن جذوره قد امتدت بعيدة وقوية في تربة الحياة. إنه شعور يحوّل برد الشتاء حرارة».