حل منظمة الدعوة الإسلامية في السودان ضربة موجعة لقطر

منظمة الدعوة الإسلامية تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للحركة الإسلامية وداعميها الإقليميين ليس فقط لجهة العودة وتصدر المشهد في السودان بل وأيضا في مشروع التغلغل في القارة السمراء، وهو ما يفسر ردة الفعل القطرية حيال قرار لجنة إزالة التمكين الحكومية في السودان بحلها، وتحرك الدوحة على أكثر من مستوى لإيجاد حل لهذه الخطوة “الصادمة”.

تفكيك الدولة العميقة التحدي الأبرز للسلطة الانتقالية

الخرطوم

 كشفت أوساط سياسية سودانية عن تحركات قطرية حثيثة، لإقناع دولة جنوب السودان باحتضان منظمة الدعوة الإسلامية، التي تتخذ من الخرطوم مقرا رئيسيا لها، وتملك فروعا في عدة دول عربية وأفريقية.

جاء التحرك القطري على خلفية قرار لجنة التمكين في السودان (حكومية) بحل المنظمة ومصادرة أموالها وأصولها، في سياق مساعي السلطة الانتقالية لتجفيف منابع المنظومة السابقة، وقطع جذورها المتغلغلة في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.

وتقول الأوساط السياسية إن قرار حل المنظمة يشكل ضربة قاسية لجهود الإسلاميين ومن خلفهم قطر وتركيا لاستعادة زمام المبادرة في السودان.

وتتهم المنظمة التي كان يرأسها المشير الراحل عبدالرحمن سوار الذهب بأنها دولة داخل الدولة السودانية، وأنها شكلت أحد الأعمدة التي استند عليها الرئيس المعزول عمر البشير لاسيما في السنوات الأخيرة من فترة حكمه.

وتقول الأوساط السياسية السودانية إن القوى الإسلامية المؤثثة لمنظومة “الإنقاذ” بقيادة الرئيس المعزول، نجحت في اختطاف المنظمة التي تنشط منذ 1980 تحت ستار الدعوة وتقديم خدمات اجتماعية وصحية في نحو 40 دولة أفريقية، مستغلة تراجع سيطرة الراحل سوار الذهب على زمام الأمور داخل المؤسسة.

وتلفت الأوساط إلى أن منظمة الدعوة الإسلامية تحولت إلى أحد روافد التنظيم الدولي للإخوان وجزء أساسي من القوة الناعمة للقوى الإقليمية الداعمة له (قطر وتركيا) في القارة السمراء، وهو ما يفسر رد الفعل القطري إزاء قرار حلها وتجميد أموالها وممتلكاتها.

ونقلت وسائل إعلام سودانية عن مسؤول قطري رفيع على صلة بالمنظمة قوله “هناك جهات سعت لإغلاق منظمة الدعوة الإسلامية، لذا يجب أن نتخذ قرارا بنقل المنظمة إلى إحدى الدول الأفريقية، فأمامنا خيارات كثيرة ومتعددة ولا بد أن نسعى للحفاظ على ممتلكات المنظمة فهي في غالبها تبرعات محسنين وخيرين وأوقاف لدعم العمل الخيري والإنساني في أفريقيا، وآسف لذلك لأن الخاسر الأكبر هو السودان”.

وبررت لجنة إزالة التمكين حل المنظمة بأنها “كانت الدولة الحقيقية التي تدير البلاد”، وأوضح عضو اللجنة وجدي صالح أن القرار لا يقصد به العمل الإسلامي بل هو تصحيح لوضع خاطئ منذ تأسيس المنظمة.

ولفت إلى أن عمل منظمة الدعوة الإسلامية تركز في الاستثمار والعمل التجاري والاستمتاع بكافة الإعفاءات الجمركية والضرائب، بينما لم يأخذ العمل في نشر الدعوة الإسلامية إلا نسبة ضئيلة من أنشطتها بلغت 5 في المئة فقط.

وأشار إلى أن القانون الخاص بها لا تتمتع به أي منظمة أخرى، حيث تم منحها حق التعامل بالنقد الأجنبي ونقل الأموال داخل وخارج السودان ومنحها حصانة تفوق الحصانات الدبلوماسية، مشددا على أنها أصبحت تسيطر على الاقتصاد السوداني حقيقة.

واتهم صالح المنظمة بأنها كانت “الذراع الحقيقية” لنظام الإنقاذ، وأشار إلى أن البيان الأول للانقلاب الذي قاده تحالف هجين بين العسكر والإسلاميين والذي نتج عنه تولي البشير السلطة في العام 1989 سجل من داخلها.

ويشكل قرار حل منظمة الدعوة الإسلامية، وفق مراقبين، خطوة نوعية في سياق ضرب مراكز نفوذ المنظومة السابقة التي ثار عليها الشعب السوداني في ديسمبر 2018، لاسيما مع تزايد الانتقادات لطريقة تعاطي السلطة الانتقالية الهش والمتردد إزاء فلول البشير.

وأكد شريف عثمان، عضو لجنة الميدان بقوى الحرية والتغيير، أن منظمة الدعوة الإسلامية هي الذراع السياسية للحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان، وعملت على تقديم الدعم المادي واللوجستي لعناصر التنظيمات المتطرفة داخل السودان وخارجه، وجاء قرار التحفظ على أموالها ضمن خطوات الحكومة الانتقالية لإثبات حسن نواياها ومقدمة لرفع اسم السودان من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.

وأضاف لـ”العرب” أن قرار لجنة التفكيك وإزالة التمكين، ضربة موجعة لتنظيم الإخوان الذي استخدم المنظمة مقرا سريا لتدريب كوادر نظام الرئيس عمر البشير، قبل الزج بها في مناطق مختلفة لتنفيذ عمليات إرهابية، وعدّت بمثابة وكر لتهريب الأسلحة إلى التنظيمات التي تنتشر في الدول المجاورة للسودان.

وتشكل المنظمة، وفق رأي الكثيرين، خطرا بالغا على السودان ودول الإقليم لما تتمتع به من قدرات مالية ضخمة، غذتها قطر وتركيا على مدى السنوات الماضية لتنفيذ أجنداتها في القارة الأفريقية.

أوضح الباحث والمحلل السياسي السوداني خالد التيجاني لـ”العرب” أن قيمة القرار تظل منقوصة طالما لم تقم السلطة الانتقالية بمحاسبة مدبري انقلاب البشير على السلطة في يونيو 1989، وأن الاكتفاء بالتحفظ على أموال المنظمة لن يكون كافيا، وقد تكون الخطوة لها أهداف سياسية لتحسين شعبية الحكومة الانتقالية التي تراجعت بين المواطنين.

وردا على قرار حلها، لوحت الأمانة العامة لمنظمة الدعوة الإسلامية، السبت، بمقاضاة لجنة “إزالة التمكين” السودانية.

وقالت المنظمة في بيان “تلقت الأمانة العامة بكل أسف نبأ قرار لجنة إزالة التمكين القاضي بحل المنظمة والتوصية بإلغاء قانون المنظمة ومصادرة أصولها وممتلكاتها والمؤسسات التابعة لها، دون أن تخطر المنظمة رسميا بذلك”.

واعتبرت أن “القرار لم يراع الجانب الإنساني والاجتماعي من عمل المنظمة، الذي يؤثر مباشرة على حياة الآلاف من السودانيين الذين يستفيدون من خدمات المنظمة”. وأردفت أن “الأمانة العامة لمنظمة الدعوة الإسلامية إذ تأسف لهذا القرار، فإنها ستعمل على مناهضته عبر رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية باعتبارهما السلطتين المباشرتين اللتين تتعامل معهما المنظمة”.

واستطردت “وفي ذات الوقت، فإن المنظمة تحمل لجنة إزالة التمكين المسؤولية الكاملة عن أي أضرار تلحق بأصول المنظمة وممتلكاتها، وتحتفظ بحقها القانوني في المقاضاة لإلغاء القرار والتعويض عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت بها”.

وفي 10 ديسمبر الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان قرارا بتشكيل لجنة “إزالة آثار التمكين” لنظام البشير، ومحاربة الفساد واسترداد الأموال.