أصداء أبعد..

كورونا يحرر العلم من سجن المختبرات

المتابعة اليومية لمختلف المنابر الإعلامية لفايروس كورونا والمؤتمرات الصحافية حول الوباء جعلت الناس يتناقشون في مصطلحات طبية علمية ودقيقة.

باريس

قبيل ظهور وباء كورونا وبداية تفشيه في مدينة ووهان الصينية ومن ثمة انتقال العدوى إلى جل دول العالم تقريبا، لم تكن المحاضرات العلمية بما تحتويه من مفاهيم ومصطلحات تقنية، محل اهتمام عامة الناس.

لكن انطلاقا من إعلان العالم دخوله في حرب وجود وبقاء ضد الوباء، حرر العلم من سجن المختبرات وصار الناس بمختلف شرائحهم يتحدثون ويتناقشون في مصطلحات طبية علمية ودقيقة بفضل المتابعة الدورية واليومية لمختلف المنابر الإعلامية التي تسلط الضوء على الوباء أو المؤتمرات الصحافية التي يعقدها وزراء الصحة أو الطواقم الطبية للإدلاء بالمستجدات.

ومع شيوع الكلام عن الهيدروكسيكلوروكين والتجارب المزدوجة والأجسام المضادة في بلازما الدم، وانتشار الرذاذ وغيرها من التعابير والمفاهيم، خرج العلم بشكل غير معهود ليكون محل نقاش في الساحات العامة وسط انكباب الجميع على متابعة تطور وباء كوفيد – 19 ومواكبة الأبحاث المتعلقة به.

ويعطي العلم عند خروجه من نطاق المختبرات انطباعا بأنه يسير في اتجاه يوما، وفي الاتجاه المعاكس في اليوم التالي، سالكا طريقا متعرجا يبدو أكثر تضاربا مع الأصداء التي يتخذها على الشبكات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي.

لكن الخبراء يؤكدون أن هذا النهج ليس استثنائيا، ولو أنه يتسارع حاليا ويتخذ المزيد من الأصداء. ومن المؤكد أن عدد الدراسات الجارية هائل ووتيرة المنشورات في تسارع.

 ولفت سيرج هورباخ من جامعة رادبود الهولندية في تقرير عن المنشورات الصادرة حول فايروس كورونا المستجد، إلى أن هذا أمر منطقي في ظل أزمة صحية عالمية، حين “تكون لسرعة انتشار المعلومات العلمية أهمية جوهرية”. وأحصى الباحث في منتصف أبريل ما لا يقل عن 2102 دراسة أولية حول الوباء، أي أنها نشرت على الإنترنت قبل الحصول على مصادقة لجان المراجعة المستقلة التابعة للمجلات العلمية الكبرى.

وتابع أن هذه المجلات من جهتها سرعت بشكل كبير آلية النشر للدراسات المخصصة للوباء، مع تقليص المهلة “بنسبة 49 في المئة أو بمتوسط 57 يوما”، وصولا إلى “خفض مهلة النشر بأكثر من 80 في المئة بالمقارنة مع فترة ما قبل الأزمة” بالنسبة لبعض المطبوعات.

وكتب صاحب التقرير “يمكن أن نتساءل إن كان أسرع يعني دائما أفضل”، محذرا من “مقايضة النوعية بالسرعة”. وقال أيفان أورانسكي أحد مؤسسي موقع “واتش” الأميركي المتخصص في تحليل تصحيحات الدراسات العلمية “ما نشهده ليس سوى تسارع حاد لتوجهات موجودة بالأساس”. وتابع “تعد الصحف منذ سنوات بتسارع عمليات المراجعة التي تقوم بها لجان القراءة”، وفي ظل الأزمات “يمكن تفهم أن يسرّع العلماء أعمالهم وأن تنشر الدراسات بشكل أسرع. ليس الأمر سيئا بحد ذاته، لكن ينبغي أن ندرك في المقابل أنه سيكون هناك المزيد من الأخطاء”.

مع شيوع الكلام عن المفاهيم العلمية في زمن الوباء خرج العلم بشكل ليكون محل نقاشات في الساحات العامة

ومع انتشار المعلومات العلمية في وسائل الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، يزداد هذا التجاذب في المعلومات، وهو ما يعتبره الخبير منطقيا. ويقول بهذا الصدد “انظروا إلى تغطية العديد من الصحافيين لتأثيرات القهوة أو النبيذ الأحمر أو الشوكولاتة، فقد تكون مفيدة للصحة في أسبوع، وقاتلة في الأسبوع التالي. فالواقع أنه لا أحد واثق كثيرا، ويتركز الاهتمام أكثر مما ينبغي على دراسات محددة”.

ومن الأسباب الأخرى التي تبرر تكاثر الدراسات، المنافسة للحصول على قروض للأبحاث. وقالت آن ماري دوغيه خبيرة الأخلاقيات الطبية وقانون الصحة في جامعة بول ساباتييه في تولوز “هناك رهان هائل في النشر يتعلق بتمويل فرق” العلماء، وهي تناولت دراسات الطبيب الفرنسي البروفيسور إريك راوول المثيرة للجدل في دراسة ساهمت فيها بعنوان “التجارب السريرية والعلاج: أي أخلاقيات في ظل طوارئ صحية؟”.

وتابعت “لا ضرر في أن يكون هناك المزيد من الدراسات، ما يهم فعلا هو الدقة العلمية والأخلاقيات”، داعية إلى “طرح تساؤلات” قبل نقل أي نتائج تعرض على أنها واعدة.

أما بشأن الخلافات بين العلماء، فهي جوهر المسار العلمي برأي آن ماري دوغيه. وتقول الباحثة “في كل المؤتمرات العلمية، ثمة سجالات، وهذا مثمر للغاية. لكن ما الذي يريده الجمهور؟ أن نجد علاجا عجائبيا، أن يكون فعالا وأن تسير الأمور بسرعة. ما لا يفهمه الجمهور، هو قلة اليقين، أن يكون بإمكاننا القول إننا لا نعرف. لماذا يلقى راوول أصداء جيدة؟ هو لا يطرح شكوكا، بل يتقدم“.

ورأى بونوا غولتييه الأستاذ في جامعة زوريخ وأحد المشرفين على مجموعة الأبحاث حول نظرية المعرفة التابعة لمعهد “كوليج دو فرانس” أنه “ينبغي التوفيق بين الزمن العلمي والزمن الإعلامي والزمن السياسي”.

وهذا ما دفع البروفيسور راوول إلى الخروج من نطاق البحث وتوقيته الذي يفرض التريث في البحث وحيث كانت أعماله تواجه معارضة، ليندرج في إطار الضرورة الداهمة الطبية القاضية بمعالجة المرضى، وهو إطار قريب من الزمن السياسي الذي يفترض “وقف دفق المعلومات في لحظة ما لاتخاذ قرار”.

وإن كانت السجالات الناجمة عن هذه القيود المتضاربة يمكن أن تثير الخيبة، أن تجعل الجمهور يتساءل: ما هذه الفوضى العارمة؟ فإن بونوا غولتييه يرى فيها تجليا علنيا أكثر من العادة لآلية الدحض المتواصلة التي يقوم عليها البحث العلمي.