واشنطن أمام توازنات حرجة في الرد على الميليشيات في سوريا والعراق

تسعى الولايات المتحدة إلى موازنة جهودها لردع المسلحين في العراق وسوريا دون المخاطرة بتوسيع نطاق الصراع في الشرق الأوسط. وتشن واشنطن بين الفينة والأخرى غارات على الميليشيات الإيرانية لتنشيط إستراتيجية الردع دون التسبب في خسائر بشرية.

واشنطن تنشّط إستراتيجية الردع في الشرق الأوسط

واشنطن

اشتبك المسلحون المدعومون من إيران في العراق وسوريا منذ فترة طويلة مع القوات الأميركية وقوات التحالف، وشنوا هجمات متفرقة على قواعد في المنطقة التي تنتشر عبرها القوات الساعية لمحاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن ارتفاع عدد القتلى المدنيين في الحرب الإسرائيلية ضد حماس سبّب ارتفاعا كبيرا في الهجمات التي يشنها وكلاء إيران الذين ينشطون تحت اسم المقاومة الإسلامية في العراق.

وفي حين كانت جل الهجمات التي يزيد عددها عن 15 غير فعالة إلى حد كبير، إلا أن ما لا يقل عن 60 فردا أميركيا أبلغوا عن إصابات طفيفة. وكانت جلها إصابات دماغية ناجمة عن الانفجارات.

وتقول لوليتا سي بالدور في تحليل لأسوشيتد برس إن الولايات المتحدة تسير على خط رفيع في ردها على الهجمات، حيث رد الجيش الأميركي ثلاث مرات فقط بينما تعمل إدارة الرئيس جو بايدن على موازنة الجهود لردع المسلحين دون إثارة صراع أوسع في الشرق الأوسط.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن المسلحين المدعومين من إيران شنوا منذ 17 أكتوبر 61 هجوما على قواعد ومنشآت بها أميركيون في العراق وسوريا. وسجّل 29 هجوما في العراق و32 في سوريا.

ويوجد نحو ألفي جندي أميركي في العراق بموجب اتفاق مع حكومة بغداد، ونحو 900 جندي في سوريا لمواجهة تنظيم داعش، وتُعتمد حامية التنف في أقصى الجنوب لمراقبة الوكلاء الإيرانيين الذين ينقلون الأسلحة عبر الحدود.

وكانت القفزة الأخيرة في الهجمات بعد 10 أيام من توغل حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر. وتسبب الرد العسكري الإسرائيلي الوحشي في مقتل الآلاف من المدنيين المحاصرين في غزة، وأجّج تهديدات الجماعات التي تدعمها إيران (حزب الله في لبنان، والحوثيون المتمركزون في اليمن، والمسلحون في العراق وسوريا) بالانتقام. وتصاعدت التهديدات بعد مجزرة المستشفى الأهلي العربي المعمداني في غزة يوم 17 أكتوبر التي أودت بحياة المئات من المدنيين. واتهمت حماس إسرائيل بالوقوف وراء الانفجار، لكن تل أبيب نفت ذلك واعتبرته نتيجة إطلاق صاروخي فاشل نفذته حركة الجهاد الإسلامي.

وكان الجزء الأكبر من الهجمات على القواعد والمنشآت بطائرات انتحارية دون طيار أو صواريخ في اتجاه واحد، ولم تُسجّل إصابات ولم تحدث سوى أضرار طفيفة في معظم الحالات. ولكن عدد الإصابات، وخاصة إصابات الدماغ، كان كبيرا في الهجمات الأولية بين 17 و21 أكتوبر على قاعدة الأسد الجوية في العراق والتنف. وأصيب أحد المقاولين الأميركيين بسكتة قلبية وتوفي أثناء اختبائه من هجوم محتمل بطائرة دون طيار.

ومع فراغ السلطة وسنوات الصراع المدني إثر الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في 2003، نمت الميليشيات وتضاعفت في العراق، وتدعم بعضها إيران.

وبعد عقد، أي حين اجتاح تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف العراق، اجتمعت عدة ميليشيات مدعومة من إيران تحت مظلة قوات الحشد الشعبي وقاتلت تنظيم الدولة الإسلامية.

وتضمنت الجماعات عصائب أهل الحق، وألوية بدر، وكتائب حزب الله (منفصلة عن حزب الله اللبناني). وتعمل أعداد من الميليشيات العراقية في سوريا أيضا، حيث تدعم إيران حكومة بشار الأسد ضد جماعات المعارضة في الانتفاضة التي تحولت إلى حرب أهلية منذ 2011.

وبعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس، قررت مجموعة من الفصائل المدعومة من إيران النشاط تحت اسم المقاومة الإسلامية الجديدة في العراق، وبدأت الموجة الأخيرة من الهجمات على القواعد التي تضم القوات الأميركية في العراق وسوريا.

ووضعت الهجمات رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في موقف صعب، فهو، رغم وصوله إلى السلطة بدعم من الجماعات المدعومة من إيران، يريد استمرار العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة أيضا. وكان قد دعم الوجود المستمر للقوات الأميركية في بلاده.

وحذر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في اجتماع مع السوداني هذا الشهر من عواقب استمرار الميليشيات المدعومة من إيران في مهاجمة المنشآت الأميركية في العراق وسوريا. ثم سافر السوداني إلى طهران والتقى بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو ما اعتبره المسؤولون الأميركيون تطورا إيجابيا.

وقال مسؤول في إحدى الميليشيات المدعومة من إيران إن السوداني مارس “ضغوطا كبيرة” على الميليشيات لعدم تنفيذ هجمات خلال زيارة بلينكن. وأضاف أن السوداني وعد في المقابل بدفع الأميركيين إلى عدم الرد بقوة على الميليشيات التي نفذت الضربات. وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالحديث عن هذه الأمور.

وقررت إدارة بايدن منذ 7 أكتوبر نقل السفن الحربية والطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي والمزيد من القوات إلى الشرق الأوسط في حملة لردع الجماعات المسلحة عن توسيع الصراع. لكن الرد العسكري الأميركي على الهجمات على قواتها كان الأدنى.

وقصفت الطائرات المقاتلة الأميركية في 27 أكتوبر موقعين لتخزين الأسلحة والذخيرة في شرق سوريا بالقرب من البوكمال كان يستخدمهما الحرس الثوري الإسلامي الإيراني والجماعات المدعومة من إيران.

وأسقطت الطائرات المقاتلة في 8 نوفمبر قنابل على منشأة لتخزين الأسلحة تابعة للحرس الثوري الإيراني بالقرب من ميسلون في دير الزور.

واستهدفت الغارات الجوية الأميركية في 12 نوفمبر منشأة تدريب ومخبأ في منطقة بلبل في الميادين. وقال مسؤولون أميركيون إن أفرادا مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني كانوا متواجدين هناك ومن المرجح أنهم تضرروا، لكنهم لم يقدموا تفاصيل.

وتنتشر مخاوف داخل الإدارة من الانتقام الذي يمكن أن يصعّد مستوى العنف ويثير المزيد من الهجمات القاتلة. ويقول البنتاغون إن الضربات أدت إلى تدمير مخزونات الجماعة العسكرية وجعلت المواقع غير صالحة للاستخدام. لكن المنتقدين يقولون إن رد الولايات المتحدة يتضاءل مقارنة بالهجمات الستين والإصابات الأميركية، وأنه فشل في ردع الجماعات.

واستهدف نصف الهجمات قواعد أميركية في العراق، لكن الولايات المتحدة شنت غارات جوية انتقامية ضد مواقع في سوريا فقط.

ويدافع البنتاغون عن هذه الخيارات بالقول إن الولايات المتحدة تضرب مواقع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يسبب تأثيرا مباشرا أكثر على طهران.

ويقول المسؤولون إن الهدف يكمن في الضغط على إيران لإخبار الميليشيات بوقف الهجمات. ويقولون أيضا إن المواقع تم اختيارها لأنها مستودعات أسلحة ومراكز لوجستية تعتمدها الميليشيات المرتبطة بإيران، وسيقوض تدميرها قدرات المتمرّدين الهجومية.

وتشمل أسباب التركيز الأميركي الرئيسية على سوريا عدم رغبتها في المخاطرة بتنفير الحكومة العراقية من خلال توجيه ضربات داخل حدودها، مما قد يؤدي إلى مقتل العراقيين أو جرحهم.

وفي مطلع يناير 2020، شنت الولايات المتحدة غارة جوية في بغداد اغتالت فيها قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ونائب قائد ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران في العراق أبومهدي المهندس. ووتّرت الضربة العلاقات مع الحكومة العراقية وأثارت مطالبات بانسحاب جميع القوات الأميركية من البلاد.

وتعتبر الولايات المتحدة وجودها في العراق حاسما في الحرب ضد داعش، وقدرتها على دعم القوات في سوريا ونفوذها المستمر في المنطقة. وعمل القادة العسكريون على استعادة العلاقات الجيدة مع بغداد، بما في ذلك بتقديم الدعم المستمر للقوات العراقية.